الشيخ محمد النهاوندي
329
نفحات الرحمن في تفسير القرآن
ثمّ أكّد سبحانه أنّه كلامه لا كلام النبي صلّى اللّه عليه وآله بقوله تعالى : وَلَوْ تَقَوَّلَ محمّد عَلَيْنا ونسب إلينا كذبا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ والكلمات التي لم نقلها لَأَخَذْنا بعضا مِنْهُ للانتقام بِالْيَمِينِ والقوّة . وقيل : إنّ المراد باليمين الحقّ « 1 » والمعنى لانتقمنا منه بالحقّ ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ والعرق الذي به حياته ، وهو كناية عن إماتته . وقيل : يعني لضربنا عنقه « 2 » . وعلى أيّ تقدير ، المراد إهلاكه بأفظع ما يفعله الملوك بمن يغضبون عليه فَما مِنْكُمْ أيّها الناس مِنْ أَحَدٍ حينئذ عَنْهُ حاجِزِينَ ومانعين بالقوّة أو الشفاعة . ثمّ إنّه تعالى بعد تعظيم كتابه بالغ في مدحه بذكر فائدته العظيمة بقوله : وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ وعظة لِلْمُتَّقِينَ من إتّباع الهوى والعصبية في مذهبه الباطل ، فانّهم المنتفعون به وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ كثيرا مِنْكُمْ أيّها العرب مُكَذِّبِينَ له لحبّ الدنيا واتّباع الهوى والتوغّل في العصبية ، وكافرين به حسدا وبغيا وَإِنَّهُ يوم القيامة لَحَسْرَةٌ وندامة عَلَى الْكافِرِينَ به وبمحمد صلّى اللّه عليه وآله عند مشاهدتهم عظمته وشفاعته لتاليه وثواب المصدّقين به ، وفي الدنيا أيضا إذا رأوا عز المؤمنين به وذلّة الجاحدين له قالوا : وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ وفيه من المبالغة ما لا يخفى ، فإذا كان القرآن أنزله إليك بهذه المرتبة من العظمة والفائدة ، ونعمته عليك فوق جميع النّعم فَسَبِّحْ اللّه تنزيها له . عن الرضا عليه السّلام : « بالتقول عليه ، وشكرا له على إيحائه عليك » « 3 » مستعينا في تسبيحه بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ قيل : المراد بالاسم المسمّى « 4 » . روي أنّه لمّا نزلت الآية قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله : « اجعلوها في ركوعكم » « 5 » . روى بعض العامة عن عمر بن الخطاب أنّه قال : خرجت بمكة يوما متعرّضا لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله ، فوجدته قد سبقني إلى المسجد ، فجئت فوقفت وراءه ، فافتتح سورة الحاقة ، فلمّا سمعت سرد القرآن قلت في نفسي : إنّه لشاعر كما تقول قريش ، حتّى بلغ إلى قوله : إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * وَما هُوَ بِقَوْلِ شاعِرٍ قَلِيلًا ما تُؤْمِنُونَ * وَلا بِقَوْلِ كاهِنٍ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ * تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ ثمّ مرّ حتّى انتهى إلى آخر السورة ، فأدخل اللّه في قلبي الإسلام « 6 » .
--> ( 1 ) . تفسير الرازي 30 : 118 . ( 2 ) . تفسير روح البيان 10 : 151 . ( 3 ) . تفسير الصافي 5 : 223 . ( 4 و 5 ) . تفسير روح البيان 10 : 152 . ( 6 ) . تفسير روح البيان 10 : 153 .